الطوطميّات العاشورائية... استحضار رمزيّ أم ردّة وثنية؟
الطوطميّات
العاشورائية... استحضار رمزيّ أم ردّة وثنية؟
"الطوطمية"
في علم الإنسانيات (الإنثروبولوجيا) تعني التزام جماعةٍ إنسانيةٍ ما باتخاذ شيء
مادي ليكون تعبيرًا رمزيًّا عن أفكار ورموز وطقوس تتفق عليها الجماعة، ويُعطى
"الطوطم" قدسية، فيحرُم لمسه أو تحطيمه لكونه يمثل هوية الجماعة. وليس
خافيًا أن بعض ما يُشاهد في إحياء عاشوراء ببعض المناطق كان طوطمًا محدودًا بفضل
الشعور الجمعيّ، ولكنّه تحوّل مع البث الفضائيّ ليصبح طوطمًا شيعيًّا دوليًّا يحرم
التعدّي عليه، والفاعل يلقى جزاء التعدي درسًا لن ينساه، كما حصل مع البريطاني
الذي كاد أن يموت بيد شباب عراقيين مطلع محرم. لعلّ المخيال الشيعيّ لم ينسَ
المشاهد البشعة التي قام بها مصريون بسطاء بحق الشهيد الشيخ حسن شحاته الذي قتل
متأثرًا بجراحات أصيب بها بعد ضرب مبرح بالعصي وبالركل وغيره في لحظة انحطاط
بشريّ، وكم كان حنق الجمهور الشيعيّ كبيرًا على السياسيّين الإسلاميّين الذين
وفروا أجواء مهيّأة انضمّت لواقع طائفي مأزوم تعيشه مصر بل المنطقة كلّها منذ عقود
بفعل تدخلات الوهابية. وها هي الحادثة تتكرّر اليوم مع البريطانيّ الذي بدا في
الفيديو القصير يشخب وجهه دمًا، بعدما تعرّض للضرب من عراقيين بسطاء في مشهد دمويّ
جديد، والتهمة تمزيق راية تحمل صورة أبي الفضل العباس (ع). الفرق بين المشهدين
العراقي والمصري أن المرجعية الشيعية العليا أوعزت لاستنكار الحادث في سلوك مفارق
بين الجماهير والقيادة! تجلّت في التعامل العنيف مع البريطاني مشاعر حيوانية يدفع
إليها أحيانًا "تفكير القطيع" في لحظة غياب عقل الفرد، ولكنّه ما يلبث
أن يثوب إلى رشده بعد الفاجعة. كذلك تكشّفت في الحادثة الطوطميّة التي يخلقها
المجموع ممثلةً هنا في قطعة قماش صارت مقدّسة فيما هي أصلاً مورد انتقاد الحوزة
العلمية، فضلاً عن ملابسات القضية التي لم تتضح إلا لاحقًا! أصل القضية أن تسجيلاً
انتشر لشباب عراقي يقتاد بريطانيًّا يعمل لصالح شركة النفط الأمريكية “شلامبيرجيه”
بعدما حاول إنزال علم معلق على مركبة حماية في الحقل النفطيّ. انتشر التسجيل، ونسي
الناس بسرعة انتقاداتهم لطريقة قتل شحاته، ليتبادلوا بسرعة وابتهاج "الحماسة
العباسية" التي تمتع بها شباب عراقيون ثأرًا لمذهبهم، ولكن الصدمة أنه بعد
أيام خرج ممثلون عن المرجعية الدينية العليا لينتقدوا طريقة التعامل مع البريطاني،
لكونها ليست طريقة إسلامية، ولا تعطي انطباعًا عن مجتمع يفترض به أن يكون مسلمًا
قبل أن يكون ديمقراطيًا. انتقد المتحدثون تحويل العامّة الأشياء العادية إلى
مقدسات وطوطميات بلا مسوّغ شرعيّ، ومنها تصوير الأئمة والأولياء وتعليق تلك الصور
في المحافل العامة والخاصة. عملية التصوير المنفلتة صارت مورد تندّر المختصين وإن
لم يبوحوا بشيء لأنها "التابو" بعينه، فيما العامة عاكفة على تداول تلك
الصور وتعليقها بغالبية الحسينيات والمواكب والبيوت لتصبح المحافل الدينية أشبه بكاتدرائيات
مسيحية! وذكّر المشايخ بأن المرجعية النجفية لاتزال كلاسيكية في تحريم تصوير ذوات
الأرواح، وأن الحرمة تشتد مع نسبة الصور للمعصومين لاستلزامها التقليل من شأن أهل
البيت (ع)، داعين لاستبدال الصور بكلمات المعصومين، وهي الخطوة التي لانزال
مقصّرين فيها جميعًا، إذ لدينا تراث نصوصيّ هائل، ولكنّا لا نغترف منه إلا الفتات
والمكرور. الطريف أن الصور منتشرة في العراق بكثرة، وقد بدأت في الانتقال للبحرين
التي أضاعت هويّتها فعلاً بين النسختين الإيرانية والعراقية، تلك الصور - بحسب
المحقق الشيخ محمد اليوسفيّ الغرويّ - لا تتوافق مع حال الأئمة المعصومين (ع)
الذين كانوا حريصين على ارتداء العمائم "تيجان العرب"، وليس كما هو
مصوّر حيث تلبس الكوفيّة المربعة، كما أن اختيار اللون الأخضر ليس صحيحًا، فالأئمة
كانوا حريصين على ارتداء العمائم السوداء إلا في حالات معينة (من حلقة إذاعية
للمسائل الشرعيّة). إن مجمل مشاهداتي خلال موسم عاشوراء 1435 هـ في البحرين
ومتابعاتي لما يجري خارجها أوصلتني إلى قناعة بأننا في الغالب نتهرّب من استحقاقات
عاشوراء الحقيقية المتمثلة بالتمسّك بالتقوى والالتزام بالأفكار الإسلامية قولاً
وعملاً، إلى فهم أقرب للوثنية التجسيديّة التي تتمثل في سلوك "الأيقنة"،
فالطقسيّة تشعر الفرد فعلاً بالتحوّل الآني كالمخدّرات. إننا نهرب من الاستحقاقات
المفترضة إلى الفلكلور، وطبعًا لا يراد الجمود على عاشوراء الكلام فقط، فهذا مطلب
لا يتسق مع واقع تطوّر الحياة وما فيه من فنون جديدة تخدم عرض القضية الحسينية،
ولكن الإشكالية هي في تحوّل بعض الفلكلور إلى طوطم مقدّس، وفي التضخّم السلبيّ
للشكل على حساب المضمون، فالأشياء التي نجدها في عاشوراء أسّست لتكون رمزًا
تذكيريًّا، ولكنا ما نلبث أن نضفي عليها مسحة قدسية، وبسرعة نعكف عليها لتتحوّل إلى
دنس يبعدنا عن الجوهر. إننا بحاجة إلى هزة من الأعماق تعيد لنا وعينا بأنّ
استغراقنا في الطوطمية سيقودنا حتمًا إلى وثنية محضة حاربها محمد بن عبدالله (ص)
قبل أكثر من 1435 عامًا، وجاء بعده حفيده الحسين بن علي (ع) ليحاربها مجدّدًا على
صُعُد كثيرة كالسياسة والاقتصاد حينما صار الحاكم وثنًا، فهل نعود للوثنية التي
أخرجنا منها محمد إلى طوطميّات وأيقونات جاهليّة بغلاف إسلاميّ، ونضيّع الجوهر!
أبوسجاد البحرانيّ
Comments
Post a Comment